الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

69

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بيان أنّها شيء واحد ، كقولك حين تقول : قال زياد ، فيقول سامعك : من هو زياد ، فتقول : زياد هو النّابغة ، ومثله قولك : ميمون هو الأعشى ، وابن أبي السّمط هو مروان بن أبي حفصة ، والمرعّث هو بشّار ، وأمثال ذلك . فمجرّد تعريف جزأي الإسناد كاف في إفادة الاتّحاد ، وإقحام ضمير الفصل بين المسند إليه والمسند في مثل هذه الأمثلة استعمال معروف لا يكاد يتخلّف قصدا لتأكيد الاتّحاد ، فليس في مثل هذا التّركيب إفادة قصر أحد الجزأين على الآخر ، وليس ضمير الفصل فيه بمفيد شيئا سوى التّأكيد . وكذلك وجود حرف ( إنّ ) لزيادة التّأكيد ، ونظيره قول رويشد بن كثير الطائي من شعراء الحماسة : وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا * قولا يبرئكم إنّي أنا الموت فلا يأتي في هذا ما لعلماء المعاني من الخلاف في أنّ ضمير الفصل هل يفيد قصر المسند إليه ، وهو الأصحّ ؛ أو العكس ، وهو قليل ، لأنّ مقام اتّحاد المسمّيين يسوّي الاحتمالين ويصرف عن إرادة القصر . وقد أشار إلى هذا المعنى إشارة خفية قول صاحب « الكشّاف » عقب قوله : الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ « معناه بتّ القول على أنّ حقيقة اللّه هو المسيح لا غير » . ومحلّ الشاهد من كلام « الكشّاف » ما عدا قوله ( لا غير ) ، لأنّ الظاهر أن ( لا غير ) يشير إلى استفادة معنى القصر من مثل هذا التّركيب ، وهو بعيد . وقد يقال : إنّه أراد أنّ معنى الانحصار لازم بمعنى الاتّحاد وليس ناشئا عن صيغة قصر . ويفيد قولهم هذا أنّهم جعلوا حقيقة الإله الحقّ المعلوم متّحدة بحقيقة عيسى - عليه السّلام - بمنزلة اتّحاد الاسمين للمسمّى الواحد ، ومرادهم امتزاج الحقيقة الإلهيّة في ذات عيسى . ولمّا كانت الحقيقة الإلهيّة معنونة عند جميع المتديّنين باسم الجلالة جعل القائلون اسم الجلالة المسند إليه ، واسم عيسى المسند ليدلّوا على أنّ اللّه اتّحد بذات المسيح . وحكاية القول عنهم ظاهرة في أنّ هذا قالوه صراحة عن اعتقاد ، إذ سرى لهم القول باتّحاد اللاهوت بناسوت عيسى إلى حدّ أن اعتقدوا أنّ اللّه سبحانه قد اتّحد بعيسى وامتزج وجود اللّه بوجود عيسى . وهذا مبالغة في اعتقاد الحلول . وللنّصارى في تصوير هذا الحلول أو الاتّحاد أصل ، وهو أنّ اللّه تعالى جوهر واحد ، هو مجموع ثلاثة أقانيم ( جمع أقنوم - بضمّ الهمزة وسكون القاف - وهو كلمة رومية معناها : الأصل ، كما في القاموس ؛ وهذه الثلاثة هي أقنوم الذات ، وأقنوم العلم وأقنوم الحياة ، وانقسموا في بيان اتّحاد هذه الأقانيم بذات عيسى إلى ثلاثة مذاهب : مذهب الملكانيّة وهم الجاثليقية